محمد الغزالي
399
فقه السيرة ( الغزالي )
ولما كان أهل مكة حدثاء عهد بالإسلام ، وفقههم في أحكامه ومراميه قليل ، فإنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم خلّف فيهم ( معاذ بن جبل ) يعلّمهم كتاب ربهم وسنة نبيهم « 1 » . وجعل ( عتّاب بن أسيد ) أميرا على مكة « 2 » وعمره يومئذ عشرون سنة . وكان ( عتاب ) شابا ذكيا ، قنوعا شجاعا ، وقد تقرّر له من مال المسلمين درهم كلّ يوم ، وهو مرتب الإمارة ، فقرّت بذلك عينه ، بل إنّه خطب الناس فقال : أيها الناس ! أجاع اللّه كبد من جاع على درهم ، فقد رزقني رسول اللّه درهما كل يوم ، فليست بي حاجة إلى أحد . ثم قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة في الشهر الأخير من السنة الثامنة . للّه ما أفسح المدى بين هذه الأوبة الظافرة بعد أن توّج اللّه هامته بالفتح المبين ، وبين مقدمه إلى هذا البلد النبيل منذ ثمانية أعوام ! . لقد جاءه مطاردا يبغي الأمان ، غريبا مستوحشا ينشد الإيلاف والإيناس ، فأكرم أهله مثواه ، واووه ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ، واستخفّوا بعداوة الناس جميعا من أجله ، وها هو ذا بعد ثمانية أعوام يدخل المدينة التي استقبلته مهاجرا خائفا ، لتستقبله مرة أخرى وقد دانت له مكة ، وألقت تحت قدميه كبرياءها وجاهليتها ، فأنهضها ليعزها بالإسلام ، وعفا عن خطيئاتها الأولى : . . . إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ يوسف : 90 ] .
--> ( 1 ) ضعيف ، ذكره ابن هشام : 2 / 311 ، عن ابن إسحاق بدون إسناد ؛ ورواه الحاكم : 3 / 270 عن عروة مرسلا ؛ وإسناده - على إرساله - ضعيف . وقد روى ابن عبد البر في ترجمة معاذ من الاستيعاب بإسناد صحيح عن عبد اللّه بن كعب بن مالك : أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم أرسل معاذا إلى اليمن عام فتح مكة ، وهذا مرسل أيضا ، فإذا صح فيكون إرساله بعد استخلافه في مكة ، واللّه أعلم . ( 2 ) إلى هنا حديث حسن ذكره ابن هشام وابن جرير : 2 / 361 - 362 ، عن ابن إسحاق بدون سند ؛ ورواه الحاكم : 3 / 594 - 595 ، عن مصعب بن عبد اللّه الزبيري معضلا أيضا ، وعمر بن شبّة في كتاب مكة عن عمر مولى غفرة معضلا أيضا ، والمحاملي في الجزء الخامس من ( الأمالي ) عن أنس بن مالك بسند ضعيف ، ولكنه يتقوى بما قبله إن شاء اللّه ، وأما باقي الحديث ، فلم أجد له سندا وإن كان مشهورا .